مستقبل الثورة السوريّة في ظلّ التطوّرات الميدانيّة والسياسيّة الراهنة




بعيدا عن الضجيج الاعلامي الذي رافق معركة القصير، وسيل القراءات والتحليلات لما يمكن ان يعنيه سقوط المدينة في ايدي قوات النظام المدعومة من حزب الله، لا بدّ من اجراء جولة افق واسعة لمسرح العمليات السورية ببعديه العسكري والسياسي لاستطلاع مسار ومستقبل الازمة السورية وتداعياتها على المستويين الداخلي والاقليمي، بالاضافة الى الخيارات والسلوكيات التي يمكن ان تعتمدها القوى الدولية الاساسية للتأثير على مسار الازمة، دفاعاً عن مصالحها او للحد من تأثيراتها على السلم والاستقرار الاقلميين.
في هذه المراجعة لا بدّ من العودة الى التطورات الدراماتيكية التي شهدتها سوريا بدءاً من شهر تموز 2012 وما تبعه من تساقطات داخل النظام على المستويين العسكري والسياسي، والتي كانت جميعها تصب في اتجاه استنتاج واحد بأن نظام بشار الاسد معرّض للسقوط، وبأن ايامه باتت معدودة. وكانت الصدمة الاساسية التي هزت اساسات النظام قد تمثلت بمقتل وزير الدفاع العماد داوود راجحة مع بقية اعضاء الخلية الامنية المسؤولة عن ادارة العمليات العسكرية والامنية في هجوم انتحاري داخل مبنى الامن القومي.
دفعت النتائج الدرامية لعملية التفجير العواصم الغربية والعربية للاعتقاد بأن مسلسل الانهيار لمؤسسات النظام قد بدأ، وبان الانشقاقات داخل القوات المسلحة والاجهزة الأمنية ستتوالى، بما يؤكد على عدم قدرة النظام على التماسك والاستمرار لفترة طويلة.
وبالفعل فقد حدثت مجموعة من الانشقاقات العسكرية والمدنية والنظامية والتي شملت قادة كبار من بينهم من عمل ضمن دائرة المساعدين المقربين من الرئيس الأسد، كما شهدت انشقاق رئيس الوزراء وسفراء وكادرات عليا من ادارات الدولة، وترافقت موجة الانشقاقات مع اندفاعة عسكرية واسعة لقوات المعارضة شملت محافظتي ادلب وحلب، كما شملت ريف محافظة دمشق وبعض احيائها الجنوبية والشرقية.
تنبّهت القيادة الايرانية لخطورة الوضع الذي يواجهه حليفها في سوريا، وادركت بأن الأمور قد وصلت الى مفترق: اما ان تقوم طهران بتقديم كل المساعدات اللازمة لمساعدته على النهوض واستعادة المبادرة، وبالتالي تؤمن استمرارية «محور المقاومة والممانعة»، واما ان تتركه عرضة للسقوط، مع كل ما يعني ذلك من خسائر لنفوذها على المستوى الاقليمي، ومن تعريض لمستقبل حزب الله، حليفها في لبنان.
تقول بعض المصادر الغربية بأن الرئيس محمود احمدي نجاد قد سارع على اثر هذه التطورات الى تكليف قادة الحرس الثوري الايراني بفعل كل ما يلزم لانقاذ النظام في دمشق ومنعه من السقوط، على ان يشرف على هذه العملية قائد قوات القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليمان. وشملت المساعدات الى سوريا الى جانب الامداد بالاسلحة والذخائر ارسال مجموعة من الخبراء والمدربين فاق عددها 150 ضابطاً ومدرباً من اجل العمل على تحسين الاداء الميداني والقتالي سواء على المستوى التكتي او العملاني.
وتتحدث المصادر الغربية بانه قد جرى تدريب عشرات الآلاف من الجنود السوريين على ايدي المدربين الايرانيين، وبمساعدة مباشرة من كادرات عسكرية من حزب الله. كما تتحدث عن مدى التحسن الذي طرأ على مستوى الاداء القتالي لوحدات الجيش والتي شاركت مؤخراً في العمليات في القصير وفي مناطق حلب وريف دمشق. ويعلق احد الخبراء الغربيين على ذلك بالقول «يبدو منذ بداية الاحداث في سوريا بأن الرئيس الاسد يملك الآن اليد العليا، وبأن المساعدات الايرانية له ستغيّر قواعد اللعبة».
في خط مواز للمساعدات الايرانية الكبيرة تابعت روسيا دعمها لنظام بشار الاسد، حيث لم تقتصر المساعدات على دعم الموقف السوري داخل مجلس الامن لمنع صدور اي قرار دولي لادانة النظام او لفتح الطريق امام اي تدخل عسكري من خلال اتخاذ قرار تحت الفصل السابع، بل تعدت ذلك لتشمل شحنات متتابعة من الاسلحة الثقيلة والنوعية بما فيها الوعد بتنفيذ صفقة الصواريخ المتطورة المضادة للطائرات أس - 300، والتي يمكن ان تشكل خطرا على اية عملية عسكرية يمكن ان تشنها مستقبلا الولايات المتحدة واوروبا ضد نظام الاسد. اذا نفذت موسكو هذه الصفقة فان ذلك سيكون بمثابة تحذير للغرب لعدم التدخل عسكريا في الازمة السورية، بالاضافة الى كونه دعوة للجميع للانخراظ في عمل ديبلوماسي يؤدي الى حلد يحفظ لروسيا مصالحها في سوريا.
قدمت المعارضة السورية عنصراً مهماً لمساعدة الرئيس الاسد للنهوض من الصدمة التي افقدته المبادرة خلال عام 2012، وذلك من خلال فشلها في توحيد صفوفها، والخروج ببرنامج لحكم جديد، يحل مكان النظام الراهن، مع التأكيد بأن سوريا لن تسقط في حالة من الفوضى، كما انها لن تتحول الى عرين للجماعات الاصولية والارهابية. دعمت الدول العربية والغربية المعارضة في الخارج، وباركت واعترفت جميعها بالائتلاف السوري الوطني، ولكن الخلافات الداخلية قد عادت وأضعفت دور هذا الائتلاف بعدما فشل في تشكيل حكومة موقتة، وفي ادارة التشكيلات العسكرية العاملة داخل سوريا، وتوجيه عملها لزيادة الضغط على النظام، والعمل على اسقاطه في دمشق.
يبدو ان العمليات العسكرية للمعارضة قد دخلت في مرحلة من الركود او الجمود، على مختلف الجبهات، ومنذ أشهر معدودة. ظهرت خطورة حالة الركود هذه على مستقبل الثورة خلال فترة الهجوم على القصير في ريف حمص، حيث لم تحاول قوات المعارضة القيام بأي عمل عسكري او لوجستي للتأثير على مجريات العمليات في القصير، كما انها لم تشن اي هجوم على اي موقع حساس من مواقع النظام للثأر للقصير او لشد اهتمام النظام واستيعاب جزء من حشده ضد القصير. من هنا فانه يمكن الاستنتاج بأن المعارضة المسلحة والسياسية تمرّ في مرحلة حرجة، يمكن ان يستفيد منها النظام لتثمير اندفاعته الجديدة لتحقيق المزيد من الانتصارات في حلب وحمص وريف دمشق. وستؤثر حالة الضعف والوهن الظاهر التي تمرّ بها المعارضة على قدرتها في تشكيل وفد موحّد الى مؤتمر جنيف -2 مع برنامج واضح للفترة الانتقالية، تؤمن عملية الانتقال نحو حكم جديد، لمرحلة ما بعد الأسد سيهدد الموقف الضعيف للمقاومة سواء على المستوى السياسي او على المستوى جميع الجهود الدولية التي تبذل لعقد مؤتمر جنيف -2 وهذا ما اشار اليه تأجيل المؤتمر واعلان عدم امكانية انعقاده خلال شهر حزيران الجاري. اذا اصرت الديبلوماسية الاميركية على انعقاده من خلال الضغوط التي تمارسها على حلفائها الاوروبيين والعرب وتركيا وعلى المعارضة نفسها فإن ذلك سيقوي موقف النظام وحلفائه في المؤتمر، ويزيد بالتالي من امكانية فشل المؤتمر وخروج المعارضة منه مفتتة ومنقسمة على ذاتها اكثر من اي وقت مضى. سيؤدي ذلك الى اطالة امد الحرب ومد عمر النظام.
يبقى الوضع السوري مفتوحا على عدة سيناريوهات - بعضها لصالح النظام وحلفائه وبعضها الاخر لصالح المعارضة ويبدو بأن المستقبل سيكون مرهونا بالقرار الذي يمكن ان يتخذه الرئيس اوباما على ضوء اجتماعه بالرئيس بوتين على هامش قمة الثمانية خلال هذا الشهر.

0 comments: